في خطوة تعكس تشديد الرقابة على تدبير الشأن المحلي، عممت المصالح المركزية بوزارة الداخلية تعليمات مستعجلة على الولاة والعمال بعدد من الجهات، من بينها جهات الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة ومراكش-آسفي، قصد فتح عمليات تدقيق واسعة بشأن شبهات استغلال مشاريع وصفقات جماعية لخدمة مصالح عقارية خاصة تعود لمنتخبين ورؤساء جماعات.
وجاءت هذه التعليمات بناء على تقارير رفعتها أقسام الشؤون الداخلية، رصدت مؤشرات تثير الشكوك حول توجيه استثمارات عمومية نحو مناطق محددة ترتبط بمشاريع عقارية يملكها بشكل مباشر أو غير مباشر مسؤولون منتخبون أو أفراد من عائلاتهم.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن بعض مشاريع تهيئة الطرق والمسالك، إلى جانب توسيع شبكات الربط بالماء والكهرباء، جرى توجيهها نحو تجزئات عقارية توجد في طور الإعداد أو الحصول على التراخيص، وهو ما ساهم في رفع القيمة السوقية للعقارات والأراضي المعنية.
وتشير التقارير إلى أن هذه الأشغال العمومية لم تقتصر آثارها على تحسين البنية التحتية، بل انعكست بشكل مباشر على الأسعار العقارية داخل النفوذ الترابي لعدد من الجماعات، الأمر الذي مكّن أصحاب تلك المشاريع من تحقيق مكاسب مالية وتجارية مهمة.
وتنطلق الشبهات، بحسب المصادر ذاتها، من ملاحظات تتعلق بتغيير أولويات البرامج التنموية وتحويل مسارات بعض المشاريع من مناطق كانت في حاجة ملحة إلى التجهيز نحو مناطق أخرى تتوفر فيها مصالح عقارية خاصة.
وقد عزز هذا التوجه، وفق التقارير، الارتفاع الملحوظ في أثمنة المتر المربع وتزايد الإقبال على اقتناء العقارات والتجزئات المستفيدة من هذه الاستثمارات العمومية، حتى قبل اكتمال مراحل تجهيزها أو تسوية وضعيتها الإدارية.
وفي إطار التحقيقات المرتقبة، ستخضع لجان التدقيق وثائق الصفقات وبرامج الاستثمار الجماعية لفحص دقيق، مع التركيز على مدى احترام معايير الشفافية والحياد في تحديد مواقع الإنجاز وأولويات التدخل.
كما ستعمل على مقارنة الحاجيات التنموية الفعلية للسكان مع طبيعة المشاريع المنجزة، وذلك بهدف التأكد من عدم توظيف المال العام لخدمة مصالح شخصية أو انتخابية.
ومن المنتظر أن تنطلق المرحلة الأولى من عمليات التدقيق من بعض الأقاليم المحيطة بمدينة الدار البيضاء، خاصة النواصر وبرشيد ومديونة، بالنظر إلى ما تضمنته التقارير المرفوعة من معطيات حول اختلالات محتملة.
كما ستشمل التحقيقات جماعات يسيرها رؤساء معروفون بنشاطهم في مجال الاستثمار والإنعاش العقاري، من بينهم مسؤولون تحوم حولهم شبهات توجيه صفقات مرتبطة بتكسية وترصيص الطرق نحو مشاريع عقارية يساهمون فيها، وهو ما أدى إلى ارتفاع قيمتها المالية بشكل لافت، في وقت ظلت فيه مناطق أخرى داخل الجماعات نفسها تنتظر تدخلات تنموية أكثر إلحاحا.
وتكتسي هذه التحقيقات أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الحالي الذي يتزامن مع تشديد المراقبة على تنفيذ الميزانيات الجماعية لسنة 2026، واقتراب الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
فبحسب المعطيات المتداولة، فإن أي توظيف محتمل للمال العام في رفع قيمة الأصول العقارية الخاصة قد يتقاطع مع أهداف انتخابية ترمي إلى تعزيز النفوذ المحلي واستمالة قواعد انتخابية عبر توجيه المشاريع إلى مناطق تعتبر خزانات للأصوات.
كما يرتقب أن تستفيد لجان التدقيق من تقارير موازية أعدها رجال السلطة المحليون، من قواد وباشوات ومسؤولي الشؤون القروية، تتضمن معطيات حول تدخلات مباشرة لبعض رؤساء الجماعات في توجيه الصفقات والطلبيات العمومية، إضافة إلى منح امتيازات لشركات مملوكة لأقارب أو معارف خلال الولاية الانتدابية الحالية.

